نصر حامد أبو زيد

31

الاتجاه العقلي في التفسير

المسلمين ، لأنها رفعت عنه الحرج السابق الذي يؤدي إلى ايهام انه يتناقض مع الايمان الحق . كما أنها من جانب آخر تثبت مبدأ الثواب والعقاب الذي يعدّ ركنا أساسيا في العقيدة الدينية ، ذلك المبدأ الذي يخلّ به القول بالجبر وينفي مسؤولية الانسان عن فعله . ويقول الحسن مؤكدا مبدأه وكاشفا عن مراميه « من زعم أن المعاصي من اللّه عزّ وجلّ جاء يوم القيامة مسودا وجهه ، ثم قرأ : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ( الزمر : 60 ) » 68 . ويشير ابن قتيبة إلى علاقته بمعبد الجهني عرضا حين يقول : « وكان ( أي الحسن ) تكلّم في شيء من القدر ثم رجع عنه وكان عطاء بن يسار قاصا ويرى القدر . . . فكان يأتي الحسن هو ومعبد الجهني فيسألانه ويقولان يا أبا سعيد إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون الأموال ويفعلون ويقولون إنما تجري أعمالنا على قدر اللّه فقال كذب أعداء اللّه » 69 . وهذه العلاقة التي تجعل معبدا الجهني يأتي ليسأل الحسن عن رأيه في القدر ، تؤكّد ما نذهب إليه من تعديل الحسن لمقولة معبد . ويبدو أن الحسن - خلافا لما يزعمه ابن قتيبة - كان يتحرّج من القول بالقدر ، ويبدو أن سؤال معبد له ، بهذه الطريقة الاستفزازية ، كان المقصود منه ضمه إلى رأيه حتى يكتسب أنصارا من كبار التابعين أمثال الحسن . وسرعان ما استجاب الحسن لرأي معبد بعد أن صاغه تلك الصياغة التي توائم بينه وبين الايمان المطلق بقدرة اللّه . وأغلب الظن أن قتل معبد على قوله كان له دخل كبير في تمسّك الحسن بقوله والمجاهرة به ، بعد أن كان لا يقوله إلّا في خاصته . وقد وصلتنا عن الحسن رسالة في نفي القدر ترجع إلى عصر عبد الملك بن مروان . وينكر الشهرستاني نسبة هذه الرسالة إلى الحسن ، وينسبها إلى واصل بن عطاء ، على أساس « أن الحسن ما كان ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من اللّه تعالى » 70 وهو قول ينكره ما أوردناه لابن قتيبة سالفا وهو مصدر أقدم من الشهرستاني . ومن جهة أخرى فسواء نسبت الرسالة للحسن أو لواصل بن عطاء ، فإن دلالتها على ما نحن بصدده تظلّ قائمة . وتبدو أهمية الرسالة فيما تثيره من اعتراض عبد الملك بن مروان ، فالرسالة رد على تساؤل من عبد الملك بن مروان وجهه للحسن حول ما بلغه عنه من أنه يقول بالقدر . ولم يكن عبد الملك بن مروان بالساذج حتى يفعل بالحسن ما فعله بمعبد الجهني ، فالحسن - بزهده وورعه وتقواه - قد يثير سخط العامة ، ولذلك يلجأ عبد الملك إلى أسلوب النقاش « وقد كان أمير المؤمنين يعلم منك صلاحا في حالك ،